سيد قطب

1993

في ظلال القرآن

يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ ، إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ « 1 » . قالُوا : أَضْغاثُ أَحْلامٍ ، وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ » . . طلب الملك تأويل رؤياه . فعجز الملأ من حاشيته ومن الكهنة عن تأويلها ، أو أحسوا أنها تشير إلى سوء لم يريدوا أن يواجهوا به الملك على طريقة رجال الحاشية في إظهار كل ما يسر الحكام وإخفاء ما يزعجهم . وصرف الحديث عنه ! فقالوا : إنها « أَضْغاثُ أَحْلامٍ » أي أخلاط أحلام مضطربة وليست رؤيا كاملة تحتمل التأويل . « وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ » . . إذا كانت أضغاثا مختلطة لا تشير إلى شيء ! والآن لقد مرت بنا رؤى ثلاث : رؤيا يوسف ، ورؤيا صاحبي السجن ، ورؤيا الملك . وطلب تأويلها في كل مرة ، والاهتمام بها يعطينا صورة من جو العصر كله في مصر وخارج مصر - كما أسلفنا - وأن الهبة اللدنية التي وهبها يوسف كانت من روح العصر وجوه ، على ما نعهد في معجزات الأنبياء ، فهل كانت هذه هي معجزة يوسف ؟ ولكن هذا بحث ليس مكانه هذه الظلال . فنكمل حديث رؤيا الملك الآن ! هنا تذكر أحد صاحبيه في السجن ، الذي نجا منهما وأنساه الشيطان ذكر ربه ، وذكر يوسف في دوامة القصر والحاشية والعصر والخمر والشراب . . هنا تذكر الرجل الذي أوّل له رؤياه ورؤيا صاحبه ، فتحقق التأويل : « وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ « 2 » : أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ » ! أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون . . ويسدل الستار هنا ، ليرفع في السجن على يوسف وصاحبه هذا يستفتيه : « يُوسُفُ - أَيُّهَا الصِّدِّيقُ - أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ : وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ، لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ » . . والساقي يلقب يوسف بالصدّيق ، أي الصادق الكثير الصدق . وهذا ما جربه في شأنه من قبل . . « أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ . . . » . . ونقل ألفاظ الملك التي قالها كاملة ، لأنه يطلب تأويلها ، فكان دقيقا في نقلها ، وأثبتها السياق مرة أخرى ليبين هذه الدقة أولا ، وليجيء تأويلها ملاصقا في السياق لذكرها . ولكن كلام يوسف هنا ليس هو التأويل المباشر المجرد ، إنما هو التأويل والنصح بمواجهة عواقبه . وهذا أكمل : « قالَ : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً » . . أي . . متوالية متتابعة . وهي السنوات السبع المخصبة المرموز لها بالبقرات السمان . « فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ » . . أي فاتركوه في سنابله لأن هذا يحفظه من السوس والمؤثرات الجوية . « إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ » . .

--> ( 1 ) تعبرون : أي تصلون إلى نهايتها وتذكرون مآلها . ( 2 ) بعد أمة من السنين أو الأوقات : أي مجموعة . والمقصود عدد من السنين هي بضع سنين ما بين ثلاث وتسع .